<!-- BEGIN TEMPLATE: postbit_external -->
الفرق بين الضرورة والحاجة
أ. د. محمد جبر الألفي
الفرق بين الضرورة والحاجة
ذكرنا فيما سبق أن بعض اللغويين[1] وبعض علماء الأصول والفقه والقواعد[2] يستعملون لفظ الحاجة في مكان الضرورة، والعكس؛ ولذا يحسن بيان الفروق الفنية الدقيقة بينهما.
أولاً: يظهر الفرق الأول بين الضرورة وبين الحاجة في تعريف كل منهما، ومن هذا التعريف يظهر أن الضرورة تمثل المرتبة القصوى من الشدة والضيق؛ ولهذا فإنها تبيح المحرَّم، بينما تكون الحاجة في مرتبة وسطى، تؤدي إلى الوقوع في حرج وضيق لا يصلان إلى درجة الهلاك وما يلحق به، وبعبارة أخرى: الضرورة هي الحاجة الملجئة لمباشرة الممنوع شرعًا، وأما الحاجة - وإن كانت حالة جهد ومشقة - فهي دون الضرورة، ولا يتأتى معها الهلاك[3].
ثانيًا: ويظهر الفرق بين الضرورة والحاجة - كذلك - في دليل مشروعية كل منهما، فالنصوص المتعلقة بتشريع الضرورة نصوص قطعية الثبوت، قطعية الدلالة في رفع الحرج والمشقة، بينما يكون دليل مشروعية الحاجة - غالبًا - "عموم ضعيف يخصص، أو قياس لا يطرد في محل الحاجة، أو قاعدة يستثنى منها"[4].
ثالثًا: الضرورة تبيح المحظور وتسقط الواجب؛ ولذا فإنها تكون مؤقتة، وتقدر بقدرها، وتزول بزوال سببها، أما الحاجة فإنها لا تبيح المحرَّم لذاته؛ وإنما تبيح المحرم لعارض خارجي عند انتفاء علة تحريمه، وإذا كان بعض العلماء قد فهم أن قاعدة: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة" تسوي بين الضرورة والحاجة في إباحة المحرم، فالصحيح أن الحاجة لا تبيح المحرم لذاته ولا تسقط الواجب؛ وإنما تبيح ما حرم لسبب أو علة عند انتفاء هذا السبب أو تلك العلة[5].
وإذا كانت الضرورة تبيح المحظور بصورة مؤقتة، وتقدر بقدرها، وتنتهي بزوال أسبابها، وتتقيد بشخص المضطر، فإن الحاجة تبيح المحظور لعارض بصورة دائمة[6]؛ لأنها لا تصادم نصًّا، ولكنها تخالف القواعد والقياسات، فهي تثبت بصورة دائمة ليستفيد منها المحتاج وغيره[7].
[1] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة: 2/ 114.
[2] المواق، التاج والإكليل - مع الحطاب -: 4/ 365، الزرقاني، شرح على مختصر خليل: 5/ 187.
[3] علي حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام: 1/ 34، أحمد الزرقا، شرح القواعد الفقهية، ص 155.
[4] عبدالله بن بيه، المرجع السابق، ص 37.
[5] الموسوعة الفقهية الكويتية: 16/ 261، وما أشارت إليه من مراجع.
[6] السيوطي، الأشباه والنظائر، ص84، ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص87.
[7] عبدالوهاب أبو سليمان، الضرورة والحاجة، ص 42 وما بعدها، من كتاب: دراسات في الفقه الإسلامي، مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى.